هناك مشهد يتكرر يومياً في سوق العمل السعودي، ويكاد يكون مأساوياً في نمطيته: شخص أمضى سنوات في وظيفته، كان يؤدي عمله بصمت، لم يتواصل مع أحد خارج نطاق مهامه اليومية، لم يحضر فعالية مهنية واحدة، لم يكتب تعليقاً ذا قيمة في منصة مهنية. ثم فجأة، تأتي رياح التغيير، يفقد وظيفته، أو يقرر التغيير، فيفتح قائمة جهات اتصاله ليكتشف أنها فارغة من أي علاقة حقيقية. في تلك اللحظة يبدأ بالتواصل المحموم مع الجميع، رسائله تحمل في طياتها رائحة الاستعجال والحاجة. والنتيجة؟ تجاهل مهذب، أو ردود باردة، أو وعود لا تتحقق.
لماذا؟ لأن هذا الشخص تعامل مع العلاقات المهنية كطفاية حريق: لا يراها ولا يفكر فيها إلا عند اشتعال النيران. وهذه العقلية تحديداً هي التي تترك أصحابها وحيدين في أصعب لحظاتهم المهنية.
العلاقات الحقيقية استثمار طويل المدى، وليست معاملة تجارية فورية
دعني أوضح لك منطقاً مختلفاً تماماً، منطقاً يراه القادة الناجحون والمستشارون الكبار في مجال التوظيف بوضوح، بينما يغيب عن الأغلبية. العلاقات المهنية الحقيقية تُبنى تماماً كما تُبنى المحفظة الاستثمارية: بالتراكم، بالصبر، وبالعقلية الصحيحة.
الناس يشترون من يعرفون، ويثقون بمن يذكرون، ويرشحون من يحبون.
هذه قاعدة إنسانية لا تتغير. عندما يأتي شاغر وظيفي ممتاز في شركة كبرى، هل تعلم أن نسبة كبيرة جداً من هذه الفرص تملأ قبل أن تصل إلى الإعلان العام؟ تملأ عن طريق التوصية الداخلية، أو عن طريق شخص قال مديره: "أنا أعرف فلان، هو الشخص المناسب تماماً لهذا الدور".
لماذا يحدث هذا؟ لأن التوصية من شخص موثوق به داخل المؤسسة تقلل مخاطرة التوظيف بشكل هائل. إنها توفر على الشركة شهوراً من البحث والمقابلات والتردد. وعندما تكون أنت ذلك "الفلان" الموجود في ذاكرة وقلوب شبكة علاقاتك، فأنت لا تبحث عن الفرص، الفرص هي من تبحث عنك.
المعضلة الأخلاقية والذهنية: هل العلاقات "واسطة" غير شريفة؟
هنا يجب أن نضع حداً فاصلاً بين مفهومين يخلط بينهما الكثيرون. هناك فرق جوهري بين "الواسطة" التي تعني تجاوز الكفاءة والجدارة لشخص لا يستحق، وبين "العلاقة المهنية" التي تعني أن شخصاً كفؤاً يعرفك عن قرب، وشهد على أخلاقياتك ومهاراتك الحقيقية عبر الزمن، فأصبح يثق بك ويرشحك عن اقتناع.
الأولى مرفوضة أخلاقياً ونظامياً. أما الثانية فهي قمة الاحترافية والتسويق الذكي للنفس. أن تبني سمعة طيبة حقيقية تجعل من يعرفك يشعر بالأمان والحماس لترشيحك، هذا ليس عيباً، هذا هو الهدف الأسمى من التسويق الشخصي. المبدأ هنا هو: ابنِ علاقاتك بقيمتك الحقيقية، ليس بمصلحتك المؤقتة.
كيف تبني شبكة علاقات مهنية قوية وأنت لا تزال على رأس العمل؟
الخطأ الشائع الآخر هو الاعتقاد بأن بناء العلاقات يعني حضور مؤتمرات مزدحمة وجمع بطاقات تعريف لا حصر لها. هذا فهم سطحي. بناء العلاقات الحقيقي يقوم على ثلاثة أركان أساسية:
الركن الأول: العقلية الصحيحة - اسأل ماذا تستطيع أن تعطي، لا ماذا تستطيع أن تأخذ.
هذا هو الاختبار الحقيقي. عندما تتعرف على شخص جديد في مجالك، هل تفكر فوراً: "كيف يمكنه مساعدتي؟" أم تفكر: "ما المشكلة التي يواجهها وأستطيع أنا بمعرفتي أو علاقاتي أن أساعده فيها؟"
الأشخاص ذوو العقلية الأولى ينفرون الجميع. أما أصحاب العقلية الثانية فيجذبون الناس إليهم بشكل طبيعي. قدم نصيحة، شارك مقالاً مفيداً، اربطه بشخص آخر يساعده، قدم له خدمة صغيرة دون مقابل. هذه البذور التي تزرعها اليوم ستنبت أشجاراً وارفة في المستقبل.
الركن الثاني: التواصل الهادف - الكيف أهم من الكم.
علاقتان أو ثلاث علاقات عميقة مع أشخاص مؤثرين وفاعلين في مجالك، أفضل من مئات الاتصالات السطحية التي لا تتذكر أنت أسماءهم. اختر عدداً قليلاً من الأشخاص الذين تحترمهم فعلاً، وتابع أعمالهم، وتفاعل مع محتواهم بذكاء، وعلق بإضافات قيمة. لفت انتباههم بجودة تفكيرك، لا بكثرة ظهورك. اجعلهم يرونك كمحترف زميل يستحق المتابعة.
الركن الثالث: الاستمرارية - لا تختفِ ثم تظهر فجأة وقت الحاجة.
هذا هو الخطأ القاتل. أن تختفي ستة أشهر ثم ترسل رسالة: "كيف حالك يا صديقي؟ بالمناسبة، هل تعرف وظيفة؟" هذه الرسالة تشعر متلقيها بأنه مجرد أداة. بدلاً من ذلك، حافظ على تواصل خفيف ومنتظم. تعليق كل شهر، تهنئة على إنجاز جديد، مشاركة مقال يهمه، رسالة قصيرة في مناسبة مهنية. هذا التواصل المستمر يبقيك حاضراً في الذهن بشكل إيجابي، ويجعل طلب المساعدة لاحقاً يأتي في سياق طبيعي غير مستغرب.
ماذا تفعل لو كنتَ في بداية طريقك ولا تملك شبكة علاقات؟
هذا سؤال مشروع ومهم. كل شخص بدأ من الصفر. ابدأ بهذه الخطوات العملية من الغد:
لينكدإن هو بوابتك: تواصل مع أشخاص في مجالك برسالة مهذبة ومحددة. لا تقل "أبحث عن وظيفة"، بل قل: "أتابع محتواك وأتعلم منه كثيراً، خاصة في موضوع كذا. أردت فقط أن أشكرك وأعرفك بنفسي كمهتم بنفس المجال."
احضر الفعاليات المهنية: المؤتمرات، ورش العمل، اللقاءات المفتوحة. لا تذهب لتوزع سيرتك الذاتية، بل اذهب لتتعلم وتتعرف على الناس وتسألهم عن تحدياتهم.
ابنِ سمعتك بالمحتوى: كما ناقشنا في الموضوع السابق، المحتوى القيم يجذب إليك العلاقات دون أن تتحرك. عندما يقرأ الناس أفكارك باستمرار، يشعرون أنهم يعرفونك حتى
لو لم يقابلوك بعد.
العلاقات المهنية مثل الحديقة،
إن أهملتها جفت، وإن سقيتها باستمرار بالاهتمام الحقيقي والعطاء، أثمرت لك في أوقات لم تكن تتوقعها. لا تنتظر العطش لتظل تبحث عن الماء، ابنِ بئرك اليوم.
0 تعليقات